أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
53
عجائب المقدور في نوائب تيمور
واحدة صبرا ، ثم لما أبادهم ، ضبط بلادهم وجمع طريفهم وتلادهم ، وقتل هؤلاء أولادهم وأحفادهم ، وأقام في ممالكهم أولاده ، وأمراءه وأحفاده وأجناده . وسبب قتله هؤلاء الملوك وفتكه ، وتمزيقه ستر حياتهم وهتكه ، أن بلاد العجم كانت لا تخلو من الملوك الأكابر ، ومن ورث الملك والسلطنة كابرا عن كابر ، وهي ممالك واسعة ، أطرافها شاسعة ، مدنها وافرة ، وقراها متكاثرة ، وأوتادها راسخة ، وعرانين أطوادها شامخة ، ومخدرات قلاعها ناشزة ، ومضمرات مكامنها ومعادنها غير بارزة ، وكواسر أكاسرها كاسره ، ونواشر جوارحها للظهور ناشرة ، ونمور زعارها طامره ، وببور « 1 » شطارها طافره ، وثعابين أبطالها في جداول الجدل ظاهره ، وتماسيح أقيالها في بحار الضراب قاهره ، فنظر تيمور بعين بصيرته ، في وذيلة « 2 » تأمله ، ومرآة فكرته ، فرأى أنه لا يزكو له ورد عارضها من شوكة عارض ، ولا يصفو ورد ثغرها فائضها من شارب معارض ، ولا يثبت له في بنيان ممالكها أساس محكم ، لا ينبت له في بستان ممالكها أغراس ينعم ، وكان قصده ابقاء مبانيها ، وإجراء أموره على ما اقتضته التوراة الجنكيز خانية فيها ، فلم يمكن عمل فلاحة لسلطنته في بسيط أرضها ، وسوق أنهار أوامره في ضرائب ممالكها طولها وعرضها ، إلا بقلع علاليق أنساب أكابرها ، وكسر قوادم أخشاب أحساب أكاسرها ، فسعى في استئصال فرعهم وأصلهم ، واجتهد في إهلاك حرثهم ونسلهم ، وجعل لا يسمع لهم ببزرة نطفة في أرض رحم إلا قلعها ، ولا يشم منهم رائحة زهرة في كم كمين إلا قطعها . وقيل أنه كان في مجلس فيه إسكندر الجلابي وكأنه كان مجلس نشاط ، ومقام انشراح وانبساط ، فسأل إسكندر ، في ذلك المحضر ، وقال إن
--> ( 1 ) - جمع ببر وهو الأسد بالفارسية . ( 2 ) - الوذيلة : قطعة من الفضة جليت جيدا حتى أصبحت كالمرآة .